السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )

659

مختصر الميزان في تفسير القرآن

بالتناول والبلع ، ويقال أيضا : أكل فلان المال أي تصرف فيه بالتسلط عليه ، وذلك بعناية أن العمدة في تصرف الانسان في الأشياء هو التغذي بها لأنه أشد ما يحتاج إليه الإنسان في بقائه وأمسّه منه ، ولذلك سمي التصرف أكلا لكن لا كل تصرف بل التصرف عن تسلط يقطع تسلط الغير على المال بالتملك ونحوه كأنه ينفده ببسط سلطته عليه والتصرف فيه كما ينفد الآكل الغذاء بالأكل . والباطل من الأفعال ما لا يشتمل على غرض صحيح عقلائي ، والتجارة هي التصرف في رأس المال طلبا للربح على ما ذكره الراغب في مفرداته قال : وليس في كلامهم تاء بعدها جيم غير هذا اللفظ انتهى ، فتنطبق على المعاملة بالبيع والشرى . وفي تقييد قوله : « لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ » بقوله : « بَيْنَكُمْ » الدال على نوع تجمع منهم على المال ووقوعه في وسطهم إشعار أو دلالة بكون الأكل المنهى عنه بنحو إدارته فيما بينهم ونقله من واحد إلى آخر بالتعاون والتداول ، فتفيد الجملة أعني قوله : لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ ، بعد تقييدها بقوله : بِالْباطِلِ النهى عن المعاملات الناقلة التي لا تسوق المجتمع إلى سعادته ونجاحه بل تضرها وتجرها إلى الفساد والهلاك ، وهي المعاملات الباطلة في نظر الدين كالربا والقمار والبيوع الغررية كالبيع بالحصاة والنواة وما أشبه ذلك . وعلى هذا فالاستثناء الواقع في قوله : إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ ، استثناء منقطع جيء به لدفع الدخل فإنه لما نهي عن أكل المال بالباطل - ونوع المعاملات الدائرة في المجتمع الفاسد التي يتحقق بها النقل والانتقال المالي كالربويات والغرريات والقمار وأضرابها باطلة بنظر الشرع - كان من الجائز أن يتوهم أن ذلك يوجب انهدام أركان المجتمع وتلاشي أجزائها وفيه هلاك الناس فأجيب عن ذلك بذكر نوع معاملة في وسعها أن تنظم شتات المجتمع ، وتقيم صلبه ، وتحفظه على استقامته ، وهي التجارة عن تراض ومعاملة صحيحة رافعة لحاجة المجتمع ، وذلك نظير قوله تعالى : يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ